علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

160

ثمرات الأوراق

اسمعوا كلامها . ثم قال لي الرسول خذ زوجتك ، فولّيت بها فطلبني ثانيا . وقال : أمّها أرسلت معي وديعة وقالت : إنّ ابنتي أسيرة وأشتهي أن توصّل لها هذه الكسوة ، فتسلّمنا الكسوة ومضينا إلى الدّار ، وفتحنا القماش فإذا هو قماشها بعينه قد سيّرته لها أمّها ، ووجدت الصّرّتين الذهب الخمسين دينارا والمائة دينار كما هما بربطتي لم يتغيّرا . وهؤلاء الأولاد منها . وهي التي صنعت لكم هذا الطّعام . * * * إبراهيم بن المهدي والمأمون ومن لطائف المنقول من المستجاد « 1 » ، قال الواقديّ : كان إبراهيم بن المهدي قد ادّعى الخلافة لنفسه بالرّيّ ، وأقام مالكها سنة واحد عشر شهرا واثني عشر يوما ، وله أخبار كثيرة ، أحسنها عندي ما حكاه لي . قال : لمّا دخل المأمون الرّيّ في طلبي ، وجعل لمن أتاه بي مائة ألف درهم ، خفت على نفسي ، وتحيّرت في أمري ، فخرجت من داري وقت الظهر - وكان يوما صائفا « 2 » ، وما أدري أين أتوجّه - فوقفت في شارع غير نافذ ، وقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ! إن عدت على أثري يرتاب في أمري ، فرأيت في صدر الشّارع عبدا أسود قائما على باب دار ، فتقدّمت إليه ، وقلت : هل عندك موضع أقيم فيه ساعة من نهار ؟ فقال : نعم ، وفتح الباب ، فدخلت إلى بيت نظيف فيه حصر وبسط ووسائد جلود إلا أنّها نظيفة ثم أغلق الباب عليّ ومضى ، فتوهمته قد سمع الجعالة فيّ « 3 » ، وأنه خرج ليدلّ عليّ ، فبقيت على مثل النّار . فبينما أنا كذلك ، إذ أقبل ومعه حمال عليه كل ما يحتاج إليه من خبز ولحم ، وقدر جديدة وجرّة نظيفة ، وكيزان جدد ، فحطّ عن الحمال ، ثم التفت إليّ وقال : جعلني اللّه فداك ! أنا رجل حجّام ، وأنا أعلم أنك تقزّ نفسك « 4 » منّي لما أتولّاه من معيشتي ؛ فشأنك لما لم تقع عليه يد . وكان بي حاجة إلى الطّعام ، فطبخت لنفسي قدرا ما أذكر أنّي أكلت مثلها . ولمّا قضيت أربي من الطّعام قال : هل لك في الشّراب فإنه ينفي « 5 » الهمّ ويطيب الفم ؟ فقلت : أكره ذلك ؛ رغبة في مؤانسته .

--> ( 1 ) كتاب المستجاد من فعلات الأجواد ، لأبي علي المحسن بن علي التنوخي ، عالم أديب شاعر ، وهو صاحب نشوان المحاضرة ، والفرج بعد الشدة وغيرها ، وتوفي سنة 384 ه . ( 2 ) صائغا ، أي حارا . ( 3 ) الجعالة : الأجر يعطى على عمل . ( 4 ) تقز نفسك ، أي تنقبض ( 5 ) ب ، ط : « يسلي النفس » .